الشيخ محمد الصادقي الطهراني
606
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
أجل ! ولحد الآن يصمد أيوب لوسوسة الشيطان ، فيرتقي إلى ذروة الإيمان « إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ » . « ارْكُضْ بِرِجْلِكَ » - / وليس الركض حسب العادة إلّا برجل - / فذلك لمحة إلى مدى مرضه لحد لم يك يمشي برجل ، ولكنه الآن « ارْكُضْ بِرِجْلِكَ » عدوا قفزة أولى إلى الصحة ، ثم وثانية إلى العافية : « هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ » فلم يكن يسطع قبل لاغتسال ولا شرب شراب . فما شرب واغتسل حتى اندملت قروحه ظهر بطن ، وبرئت جروحه ، وكأن بارد الماء كان مرحما ملحما ، رغم أنه يضر بالجروح في عادية الأحوال ! . ولقد كانت زوجته رق قلبها وحدبت عليه ولم تطاوعها نفسها الكريمة الحنونة أن تتركه وشأنه ، وقد لزمته منذ اوّل بلائه على طول المدة وطائل المحنة ، فرجعت إليه كعادتها تعاود إصلاح شأنه فترى عجبا حين ترى شابا مكتمل الشباب ، غض الإهاب ، مكتنز اللحم ، وافر المنة والقوة ، فحمدت اللّه على ما ردت إليه من عافية . فهل إن أيوب يتركها ويستبدل بها غيرها ، بعد أن يضربها مائة سوط كما عهد من ذي قبل ؟ ما هكذا الظن به ولا المعروف من فضله ، أن يتناسى حنانها الدائب ، وحضورها الواصب . وحين لا يتركها فما ذا يفعل بعهده عليها وهو بلاء على بلاء وعناء على عناء ، إذا يأتي الوحي الحبيب من الحبيب : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 44 ) . خذ حزمة من القش والريحان تشتمل على مائة باقة واضرب بمجموعها زوجك مرة واحدة ، حفيفا رقيقا رفيقا ، رخصة لك في يمينك ، ورحمة بهذه المخلصة الصالحة التي احتملتك في مرضك ، وشاركتك في آلامك ! . ولئن سئلنا كيف يبتلى أيوب بمثل هذه البلية التي تنفّر عنه الطباع ، أبذنب ؟ والأنبياء لا